الأحد
2026/08/23
آخر تحديث
الأحد 23 أغشت 2026

كلمة افتتاحية للندوة حول لحراطين و الفئات المحرومة، أي سبيل الانعتاق/ محمد ولد مولود

منذ 10 ساعة
كلمة افتتاحية للندوة حول لحراطين و الفئات المحرومة، أي (…)
محمد ولد مولود
طباعة

أود في البداية أن أوجه التحية إلى الحضور الكرام من رؤساء و ممثلي الأحزاب و منظمات المجتمع المدني و مراكز بحث و قادة رأي و صحافة وطنية و مفكرين و إلى كل من شرفنا بتلبية الدعوة لحضور هذه الندوة.
في هذه الكلمة الافتتاحية لا أريد تناول موضوع الندوة بقدر ما أود أغتنام الفرصة لإبداء بعض الملاحظات المنهجية

1. خطورة التشخيص السطحي للمجتمع
إن التحليل السوسيولوجي الصائب لمجتمعنا ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو أشبه بالكشف الطبي الدقيق الذي يتوقف عليه بناء بروتوكول العلاج. فإذا أخطأ الطبيب في تشخيص الداء، لن يكتفي الدواء بالفشل، بل سيتسبب في تفاقم المرض وتسميم الجسد. ومذ هيمنت منصات التواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك)، راجت قوالب تحليلية شديدة التبسيط، تختزل مجتمعنا المعقد في "ثلاثية صلبة" (بيضان، لكور، لحراطين). هذا التبسيط المخل استوطن الوعي الجمعي، وبات يوجه – للأسف – تصورات المواطن العادي، بل ويُلقي بظلاله على طروحات المثقفين وقادة الرأي.

2. استيراد النماذج وإسقاطها قسراً
إن تجاوز هذا المنظور السطحي يكشف سريعاً خطأ إقحام النموذج "الأنجلوسكسوني" القائم على فرز الألوان (كما في تجارب أمريكا وجنوب إفريقيا) على واقعنا. فالمجتمع العربي التقليدي هنا لا ينتظم خلف لافتة اللون؛ "فأصحاب البشرة الفاتحة" لا يشكلون شريحة اجتماعية واحدة متجانسة المصالح، بل يمتد وجودهم عمودياً ليشمل فئات محرومة وهشة. وبالمثل، لا يمثل "لكور" عرقية أو شريحة مصمتة، بل هم خليط من مكونات وقوميات لكل منها تراتبيتها وتجزئتها الداخلية المبنية على نظام الشرائح تماماً كالمجتمع العربي. أما "لحراطين" فهم الشريحة الإنتاجية الحيوية التي قام على كاهلها الاقتصاد التقليدي للمجتمع العربي، وليسوا مجتمعاً منفصلاً بذاته أو غريباً عنه.

3. تآكل البنى القديمة وصعود الفئات الحديثة
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تظل الفئات الوظيفية التقليدية محتفظة بهويتها القديمة في ظل التحول الاجتماعي الراهن؟ الإجابة الحتمية هي النفي. إن إسقاط التصنيفات التاريخية (لحراطين، زوايا، عرب.. إلخ) على الواقع المعاصر يعمي الأبصار عن رؤية النظام الاجتماعي الجديد الذي يتشكل تحت أعيننا. إننا نشهد ولادة فئات عابرة للشرائح التقليدية: من عمال، وموظفين، وبرجوازية، وتكنوقراط، وكبار مسؤولي الدولة. في هذا الفضاء الجديد تذوب الهويات القديمة؛ فلم يعد "الحرطاني" حرطانياً بالمعنى الوظيفي السابق، ولم يعد "الزاوي" زاوياً بمفهومه القديم، بل أصبحت المصالح والمواقع الاقتصادية والاجتماعية هي الموجه الفعلي للأفراد.

4. التحدي الحقيقي: صراع العقليات المغلقة وإعادة بناء الإجماع
إن المعضلة الحقيقية التي تواجهنا اليوم ليست في غياب الحداثة، بل في استمرار رواسب "العقليات الشرائحية المغلقة" وتصوراتها البائدة. لقد أثمر نضال القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية إجماعاً وطنياً راسخاً حول ضرورة اجتثاث ظاهرة الرق وعلاج مخلفاتها الغائرة، لا سيما تلك التي عانى منها لحراطين، وهو ما تجسد بوضوح في الخطاب التاريخي للرئيس الراحل سيدي ولد الشيخ عبد الله. ومع ذلك، فإن السياسات التنموية المتبعة لا تزال متعثرة وتصطدم بمقاومة شرسة من عقليات ما قبل الدولة. هل يجب علينا الآن تعميق و توسيع هذا الإجماع الوطني أو بالعكس أن نعرضه التفكك بالانخراط في التجاذبات الهوياتية العقيمة.

5. القوى المنتجة كقاطرة للمستقبل والتغيير
في الختام، يمثل لحراطين – بصفتهم القوة الإنتاجية التاريخية و وزنهم الديمغرافي – جنباً إلى جنب مع نظرائهم الكادحين من القوميات الأخرى، الأمل الحقيقي والشريان النابض لهذا البلد. إن هذه القوى الحية مؤهلة، بحكم موقعها الاجتماعي و الاقتصادي، لتكون القاطرة لحماية الإجماع الوطني و تعزيز وحدة مكونات الشعب الضرورية من أجل إحداث التغيير المنشود.فمن خلال تمكين هذه الفئات وتحرير طاقاتها، يمكننا بناء جبهة وطنية متماسكة قادرة على بناء مجتمع المواطنة والعدالة والعمل.

محمد ولد مولود