الأربعاء
2026/01/28
آخر تحديث
الأربعاء 28 يناير 2026

الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (SNIM) والمدرسة الجمهورية

منذ 24 دقيقة
الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (SNIM) والمدرسة الجمهورية
لمرابط ولد لخديم
طباعة

تُعدّ المدرسة الجمهورية إحدى أعظم الأفكار المؤسسة للدولة الحديثة، لما تحمله من قيم الأخوّة، والمحبّة، وروح المواطنة، وما تمثله من ركيزة أساسية في بناء مجتمع متماسك وعادل. وهي فكرة تستحق الدعم من القاعدة إلى القمة، حكومةً وشعبًا، إدراكًا لأهميتها في ترسيخ الانتماء الوطني وضمان تكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن.
فالمدرسة الجمهورية ليست مجرد فضاء للتعليم، بل هي أداة فعّالة لإذابة الفوارق المصطنعة، وقطع الطريق أمام النزعات الضيقة والانتهازيين الذين يسعون، بوسائل خفية ومغلّفة، إلى إضعاف النسيج الاجتماعي وزرع الشقاق بين مكونات المجتمع.
وفي هذا الإطار، كان فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد الشيخ الغزواني، قد أكّد في أكثر من مناسبة على الدور المحوري للمدرسة الجمهورية في صيانة اللحمة الوطنية، وضمان حق جميع أبناء الشعب في التعليم دون تمييز، باعتبارها السبيل الأمثل لتحقيق العدالة والمساواة، والنهوض بقطاع التعليم، وتعزيز الوحدة الوطنية.
ازويرات وأنواذيبو: تجربة مبكرة للمدرسة الجمهورية
لقد عرفت مدارس ازويرات وأنواذيبو، التابعة للشركة الوطنية للصناعة والمناجم (SNIM)، المدرسةَ الجمهورية منذ إنشائها في ستينيات القرن الماضي، حيث لم يكن هناك فرق بين أبيض أو أسود، ولا بين شريحة أو طائفة؛ فجميع التلاميذ كانوا أبناء المدينة، لا أبناء قبيلة أو جهة بعينها.
ومنذ نعومة أظفارنا، تعوّدنا في مدارس ازويرات على التعايش الطبيعي بين أبناء عمال الشركة، على اختلاف رتبهم المهنية، من؛
S1 إلى S6، ومن M1 إلى M6، ومن C1 إلى C6،
إلى جانب سكان أحياء M4 وM6 وحي الكادر. وهو مشهد اجتماعي يتكرر في أنواذيبو بين “سيتي فرانس” و“سيتي آفريك”، في صورة حيّة تعكس المساواة والانتماء المشترك.
ورغم الحاجة إلى تطوير هذه المصطلحات مع الزمن، واعتماد نظم وتسميات جديدة، فإن روح المواطنة التي زُرعت في المدينة منذ نشأتها ظلت حاضرة، لأن ازويرات كانت – ولا تزال – صورة مصغّرة للوطن، إذ ضمّت مختلف الشرائح والأعراق الموريتانية، بحكم أن غالبية ساكنتها من أبناء العمال. وقد أسّس ذلك لحمةً اجتماعيةً قوامها الوطن والوحدة الوطنية، تجلّت بوضوح في مدارسها الجمهورية، وأحيائها، وفضاءات العمل فيها.
وليس نموذج ازويرات استثناءً، بل هو سمة عامة للمدن الصناعية، التي تستقطب العمال من مختلف أنحاء الوطن، فتتحول إلى قواعد وطنية أساسها العمل، وغايتها التنافس والإبداع الخلّاق. وقد أجمع المختصون عالميًا على أن المدرسة الجمهورية تشكّل العمود الفقري للمواطنة الحقة.
ولهذا أنجبت ازويرات كفاءاتٍ وعقولًا متخصصة في شتى المجالات: العلوم، والتقنيات، والآداب، والفنون، والدراسات الإسلامية، وغيرها، توزّعت على مختلف قطاعات الدولة، وبرزت كذلك خارج حدود الوطن.
مفارقة مؤلمة
وإذا كانت (سنيم) قد أسهمت إسهامًا كبيرًا في تكوين هؤلاء الأبناء على قيم المدرسة الجمهورية والولاء للمدينة، فإن سياسات متّبعة في مدن أخرى ساهمت في ترسيخ القبلية والجهوية لدى بعضهم، بل إن هذه الروح تسللت – للأسف – إلى مدينة ازويرات نفسها.
وخلال زياراتي المتكررة لهذه الحاضرة الوطنية المهمّة، التي تساهم بنحو 23% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفّر ما يقارب 50% من العملات الصعبة، أي ما يعادل ربع الميزانية الموريتانية، كتبتُ عددًا من المقالات، من بينها:
ماذا قدّم الأبناء لمدينتهم عروس الشمال؟
تنمية مدينة ازويرات بين سنيم وميفرما
المرأة في مدينة ازويرات نموذجًا للمرأة العاملة الكادحة
حكاية أهم مدينة موريتانية منسية
ورغم هذه الأهمية الاقتصادية البالغة، يثير الاستغراب تنظيم المهرجانات والملتقيات العلمية والثقافية في مختلف أنحاء الوطن، في حين تكاد تخلو أهم مدينة اقتصادية في موريتانيا، مدينة ازويرات، من أي نشاط ثقافي أو علمي يُذكر. إن ازويرات لا تملك سوى سواعد أبنائها، وعقولهم، وأفكارهم، كلٌّ حسب تخصصه وقدرته على العطاء.
فما قيمة الأبناء، إن لم يهتموا بمدينتهم، مسقط رؤوسهم، ورافعة الوطن الاقتصادية؟

لمرابط ولد لخديم