رسالة إلى الرئيس غزواني: «مليارات البنك الدولي».. تصحيح الحقائق قبل أن يتحول الخلط إلى حقيقة
من محمد ولد ومحمد الحسن
معهد مدد راس
إلى
فخامة رئيس الجمهورية وإلى الرأي العام الموريتاني والدولي
الموضوع: «مليارات البنك الدولي»: تصحيح الحقائق قبل أن يتحول الخلط إلى حقيقة
فخامة الرئيس،
في الوقت الذي تجوبون فيه البلاد للقاء السكان وشرح المكتسبات التي تحققت خلال السنوات السبع الماضية، منطقةً بعد أخرى، والقيود التي واجهتها حكومتكم، وكذلك المشاريع التي تعتزمون تنفيذها خلال السنوات المقبلة، بدأت حملة جديدة، هي الحملة المتكررة لخصومكم.
وكما يحدث في كثير من الأحيان، لا يبدو أن شيئاً يتحرك فعلياً داخل معسكركم للرد على هذه الحملات. غير أن هذه الحملة، في رأينا، تستحق اهتماماً خاصاً.
إنها حملة محكمة التنظيم، وخبيثة، وقد تكون خطيرة، لأنها اختارت هذه المرة شهوداً يبدوون، للوهلة الأولى، من الصعب الطعن في مصداقيتهم: الأرقام والبنك الدولي.
الحجة بسيطة، ولهذا السبب تحديداً يمكن أن تكون شديدة الفعالية.
يتم عرض أرقام التمويلات التي التزم بها البنك الدولي لصالح موريتانيا خلال السنوات السبع الماضية على الرأي العام، ومقارنتها بتلك المسجلة خلال ما يقارب ستة عقود من التعاون السابق.
وهذه المقارنة تعطي انطباعاً بأن موريتانيا، خلال سنواتكم السبع في السلطة، استفادت من حجم تمويلات يكاد يعادل ما حصلت عليه خلال نحو ستين عاماً السابقة.
ومن هنا، يمكن لكل شخص أن يتخيل بسهولة الاتهامات التي قد تترتب على ذلك: عدم الكفاءة، والتبذير، وسوء التسيير، وتحويل الموارد، بل وحتى وجود فجوة غير مسبوقة بين الوسائل المالية التي تم حشدها والنتائج المحققة.
ومن المعروف أن نقطة قوة خصومكم تكمن في التواصل وقدرتهم على تحويل الأكاذيب والتضليل والدعاية إلى حقائق شاملة، راسخة في أذهان الجميع.
إن قضية الاختلاس المزعوم لـ «420 ملياراً»، التي نُسبت ظلماً إلى التقرير الأخير لمحكمة الحسابات، والتي أعيد تداولها في مختلف وسائل الإعلام، بما فيها في فرنسا، ولا سيما على فرانس 24، تمثل دليلاً ساطعاً على فعالية الحملة المستمرة المناهضة للغزواني، وهي الحملة التي تصديت لها شبه منفرد، وسط النسيان والاضطهاد. ولنتجاوز هذه النقطة!
واليوم، فإن ما لم يكن في الأصل سوى اختلاق وشائعة لا تصدق — 420 ملياراً — أصبح وكأنه حقيقة محفورة في وعي المجتمع.
فخامة الرئيس،
إن التنبيهات التي تلقيتها اليوم من مؤيديكم والمتعاطفين معكم بشأن الشائعة الجديدة والأخيرة، التي تقدم حصيلة مختصرة لسنواتكم السبع الأخيرة، وتطالب بالتدخل لصالحكم لتفادي الأسوأ، جعلتني أدرك حجم التهديد والمخاطر.
وقد انضم إلى هؤلاء أصدقائي ومراسليّ ومستمعيّ وقرّائي، الذين يشعرون بالحيرة ولا يفهمون كيف أمكن لكم أن «تبتلعوا» كل هذه المليارات من الدولارات في مثل هذا الوقت القصير.
ولهؤلاء جميعاً، أقول، إبراءً لذمتي كوطني ورجل مال وداعم لسنوات ولايتكم الست الأخيرة، ما يلي:
* أوجه هذه الرسالة المفتوحة، مقترحاً على فخامتكم تعبئة المختصين ضمن فرقكم، بل وحتى طلب دعم البنك الدولي، من أجل «قتل الأفعى في مهدها»، أو إخماد الشرارة قبل أن ينتشر الحريق ويعمّ.
* سأقدم التوضيحات التقنية في مقالات ستصدر لاحقاً.
* وسأعمل دون تأخير، في ملحق بهذه الرسالة المفتوحة، على إزالة الالتباس بشأن مفهوم يشكل السبب الأول لسوء الفهم الذي يستند إليه صانعو الأكاذيب في هذه الحملة.
* وأخيراً، أعتذر عن تقصيري في اليقظة والتصدي لما يمكن أن يلحق الضرر ببلدي وبالرجل الذي قدمت له كل هذا الدعم، إذ استنفدت مواردي، وأنا منصرف حالياً إلى المشكلات التي عرضتها على فخامتكم في كتابي الأبيض، الذي يلخص المظالم والتعسفات والأضرار التي تعرضت لها — وسط دهشة الجميع — في عهدكم وما قبله، والتي ما زلت أنتظر بشأنها الإجابات.
مرفق: ملحق توضيحي
⸻
ملحق بالرسالة المفتوحة
إلى فخامة رئيس الجمهورية
وإلى الرأي العام الوطني والدولي
الموضوع: توضيح بشأن الشائعات المتعلقة بتمويلات البنك الدولي: الالتزامات والمصروفات والتنفيذ
يأتي هذا الملحق لتوضيح بعض المعطيات التي ارتبطت، خلال الساعات والأيام الأخيرة، بتداول معلومات وتأويلات بشأن حجم التمويلات التي وافق عليها البنك الدولي لصالح الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
وقد أدى استخدام أرقام مالية صحيحة في أصلها، ولكن من دون مراعاة مدلولها الفني الدقيق، إلى ظهور قراءات وتأويلات قد تلحق ضرراً بصورة الدولة ومؤسساتها، وبصورة نظام رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.
ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى الوقائع والمصطلحات المالية المعتمدة، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الإعلامي للأرقام.
إن الهدف من هذه المذكرة ليس إنكار حجم التمويلات التي تمت الموافقة عليها لصالح موريتانيا، ولا إعفاء أي جهة من مسؤوليتها عن حسن تنفيذ المشاريع واستخدام الموارد المخصصة لها.
بل إن الهدف هو وضع كل رقم في سياقه الصحيح، والتذكير بقاعدة أساسية في قراءة البيانات المالية:
لا يمكن فهم أي رقم مالي بصورة صحيحة من دون معرفة التعريف الدقيق للمؤشر الذي يمثله.
أولاً: ماذا قالت بيانات البنك الدولي فعلياً؟
تشير البيانات المنشورة بشأن علاقة البنك الدولي بموريتانيا إلى أن المؤسسة وافقت، خلال الفترة الممتدة من يوليو 2019 إلى يونيو 2026، على تمويلات تبلغ نحو 1.64 مليار دولار.
وفي المقابل، بلغت التمويلات التي تمت الموافقة عليها خلال الفترة الممتدة من أول تمويل لموريتانيا سنة 1960 إلى يونيو 2019 نحو 1.63 مليار دولار.
وبذلك، فإن المقارنة المنشورة تتعلق بحجم التمويلات التي تمت الموافقة عليها أو الالتزام بها خلال الفترتين.
وهنا ينبغي التشديد على نقطة جوهرية:
هذا الرقم لا يعني أن مبلغ 1.64 مليار دولار قد تم تحويله دفعة واحدة إلى خزينة الدولة الموريتانية.
كما لا يعني أن كامل هذا المبلغ أصبح متاحاً للحكومة لكي تنفقه بصورة حرة وفورية.
بل إن البيانات المنشورة تشير إلى أن جزءاً مهماً من هذه الالتزامات لم يكن قد تم صرفه بعد؛ إذ بلغ حجم الالتزامات غير المصروفة نحو 805.6 ملايين دولار حتى 31 أغسطس 2026.
وهذه الحقيقة وحدها كافية لإظهار أهمية التمييز بين المفاهيم المالية المختلفة.
ثانياً: الرقم المالي لا يمكن فصله عن مدلوله الفني
قد تبدو كلمة «تمويل» في الاستخدام اليومي وكأنها تعني ببساطة مبلغاً من المال تم استلامه وأصبح موجوداً في الحسابات الحكومية.
لكن المصطلحات المالية الدولية أكثر دقة من ذلك.
فعندما تتحدث المؤسسات المالية الدولية عن التمويلات المعتمدة أو الالتزامات، فإن الأمر قد يتعلق بمبالغ تمت الموافقة عليها لصالح مشاريع وبرامج محددة، على أن يتم تنفيذها وصرفها وفق شروط وجداول زمنية ومراحل تنفيذية معينة.
ومن ثم، فإن السؤال الصحيح ليس فقط:
كم تبلغ قيمة التمويلات التي تمت الموافقة عليها؟
بل ينبغي أيضاً أن نسأل:
* كم تم الالتزام به؟
* كم تم توقيعه تعاقدياً؟
* كم تم صرفه فعلياً؟
* كم تم إنفاقه؟
* ما المشاريع التي استفادت منه؟
* ما نسبة تنفيذ تلك المشاريع؟
* وما النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت على أرض الواقع؟
هذه أسئلة مختلفة، ولا يجوز دمج إجاباتها في رقم واحد.
ثالثاً: التمييز بين الالتزام والصرف والإنفاق والنتائج
من الضروري التمييز بين أربع مراحل أو مفاهيم أساسية:
1. التمويل الملتزم به أو المعتمد
هو المبلغ الذي تمت الموافقة عليه لصالح مشروع أو برنامج معين، وفق الإجراءات المعتمدة لدى المؤسسة الممولة.
وهذا هو الإطار الذي يفسر رقم 1.64 مليار دولار المتداول بشأن الفترة الأخيرة.
1. التمويل المصروف
هو الجزء من التمويل المعتمد الذي تم تحويله فعلياً في إطار تنفيذ المشاريع والبرامج.
وهذا الرقم يكون، بطبيعة الحال، مختلفاً عن إجمالي الالتزامات إذا كانت بعض المشاريع لا تزال في مراحل التنفيذ.
1. التمويل المنفق فعلياً
وهو المبلغ الذي تم استخدامه بالفعل في تنفيذ الأشغال أو اقتناء المعدات أو تقديم الخدمات أو إنجاز الأنشطة المقررة ضمن المشاريع.
1. النتائج المحققة
وهي ما تم إنجازه فعلياً على أرض الواقع: مدارس، ومراكز صحية، وشبكات مياه، ومشاريع كهرباء، وبرامج تعليمية، وبنى تحتية، وخدمات رقمية، وغيرها، إضافة إلى الآثار الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عنها.
وهذه المستويات الأربعة ليست مترادفة.
والخلط بينها يؤدي بالضرورة إلى استنتاجات غير دقيقة، وقد يحول رقماً مالياً صحيحاً في ذاته إلى استنتاج غير صحيح بشأن حجم الأموال التي تم استلامها أو إنفاقها فعلياً.
رابعاً: لماذا يعتبر هذا التمييز مهماً؟
إن القول إن موريتانيا استفادت من موافقات تمويلية بقيمة 1.64 مليار دولار خلال سبع سنوات هو وصف لحجم الالتزامات التمويلية المعتمدة خلال تلك الفترة.
أما القول إن الدولة استلمت 1.64 مليار دولار نقداً، دفعة واحدة، وأصبح المبلغ تحت تصرفها الحر، فهو استنتاج مختلف ولا تعكسه هذه البيانات.
بل إن المعطيات المنشورة تشير بوضوح إلى أن جزءاً كبيراً من التمويلات المعتمدة كان لا يزال في طور التنفيذ أو لم يتم صرفه حتى نهاية أغسطس 2026.
كما أن هذه التمويلات تشمل أساساً قروضاً ميسرة طويلة الأجل ومنحاً، ولا تمثل بصورة مباشرة حجم الدين القائم على موريتانيا تجاه البنك الدولي.
خامساً: ارتفاع التمويلات لا يلغي حق الرأي العام في السؤال عن النتائج
إن توضيح معنى رقم 1.64 مليار دولار لا يعني بأي حال من الأحوال أن النقاش حول استخدام التمويلات أو نتائج المشاريع يجب أن يتوقف.
بل على العكس.
من حق الرأي العام، ومن واجب المؤسسات، أن تطرح أسئلة دقيقة حول:
* حجم التمويلات المصروفة فعلياً؛
* معدل تنفيذ المشاريع؛
* كفاءة استخدام الموارد؛
* النتائج التي تحققت؛
* والآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع.
فالتمويل المعتمد يمثل بداية المسار، وليس نهايته.
والحكم على فعالية أي تمويل لا ينبغي أن يستند إلى حجم المبلغ وحده، وإنما إلى مدى تحويله إلى مشاريع منجزة ونتائج ملموسة يستفيد منها المواطن.
سادساً: ما الذي تقوله الأرقام المنشورة؟
وفق البيانات المنشورة، بلغ إجمالي التمويلات التي وافق عليها البنك الدولي لصالح موريتانيا منذ بداية الشراكة عام 1960 نحو 3.27 مليار دولار موزعة على 112 عملية تمويل.
ومن هذا الإجمالي، تمت الموافقة على نحو 1.64 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2019 إلى يونيو 2026، مقابل نحو 1.63 مليار دولار خلال الفترة السابقة الممتدة من 1960 إلى يونيو 2019.
كما تشير البيانات المنشورة إلى أن موريتانيا سددت للبنك الدولي نحو 788 مليون دولار حتى نهاية أغسطس 2026، فيما بلغ الرصيد المستحق، وفق البيانات المنشورة، نحو 651 مليون دولار.
وهذه الأرقام تؤكد مرة أخرى أن هناك فرقاً بين:
إجمالي التمويلات التي تمت الموافقة عليها تاريخياً، والمبالغ التي تم صرفها فعلياً، والمبالغ التي تم إنفاقها، ورصيد الدين القائم.
سابعاً: الخلاصة
إن النقاش حول تمويلات البنك الدولي لموريتانيا يجب أن يقوم على الأرقام الصحيحة والمصطلحات الصحيحة.
نعم، تشير البيانات المنشورة إلى أن حجم التمويلات التي تمت الموافقة عليها خلال السنوات السبع الأخيرة بلغ نحو 1.64 مليار دولار، وهو رقم يقارب ويتجاوز قليلاً ما تمت الموافقة عليه خلال العقود الستة السابقة.
لكن هذا الرقم:
* ليس مبلغاً نقدياً تم تحويله دفعة واحدة إلى خزينة الدولة؛
* وليس بالضرورة مبلغاً تم إنفاقه بالكامل؛
* ولا يمثل في حد ذاته حجم الدين القائم على موريتانيا تجاه البنك الدولي.
إنه يمثل، قبل كل شيء، تراكماً للتمويلات التي تمت الموافقة عليها أو الالتزام بها لمشاريع وبرامج مختلفة.
ومن ثم، فإن أي نقاش جاد حول هذا الملف ينبغي أن يميز بوضوح بين:
الالتزام، والتوقيع، والصرف، والإنفاق، والتنفيذ، والنتائج.
إن احترام هذه الفروق ليس دفاعاً عن أحد، ولا هجوماً على أحد.
إنه ببساطة احترام للحقيقة وللدقة المالية.
أما تحويل رقم يتعلق بالتمويلات المعتمدة إلى ادعاء بأن الدولة تسلمت المبلغ كاملاً وأنفقته، فهو خلط بين مفاهيم مالية مختلفة لا يجوز جمعها في خانة واحدة.
وعليه، فإن الدقة في المصطلحات ليست مسألة شكلية، وإنما هي جوهر الحقيقة في قراءة الأرقام المالية.
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد 2IRES ومدرسة MADAR
27 سبتمبر 2026




